مسلسل يوسف الصديق والمفاهيم المعكوسة

اذهب الى الأسفل

مسلسل يوسف الصديق والمفاهيم المعكوسة

مُساهمة من طرف الهيئة الدولية للدفاع في الأربعاء 03 أغسطس 2016, 4:52 pm

بقلم / شعبان أحمد بدير

أثار المسلسل الإيرانى يوسف الصديق جدلا فى الأوساط الدينية والفكرية فى مصر فى الآونة الأخيرة بسبب عرضه فى إحدى القنوات الفضائية المصرية التى استهانت بآراء المجامع الفقهية فى مصر وعلى رأسها الأزهر الشريف، التى قضت بضرورة منع إذاعة المسلسل لتصويره الأنبياء فى صورة علنية لا تليق بمكانتهم المقدسة التى أوجبها لهم الله تعالى، حتى وصل الأمر بهم إلى تجسيد أمين الوحى جبريل، ظانين أنه لا قدسية معصومة من التصوير إلا قدسية الله الواحد سبحانه وتعالى، وهذا الأمر يبدو فى ظاهره صحيحا لا يختلف عليه سنى أو شيعى، ولكن فى باطنه تدليس للحقيقة التى تقضى بأن المقدسات إنما تكتسب قدسيتها من قدسية الله سبحانه والتجرؤ عليها إنما هو تجرؤ على الله، يقول تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ... البقرة253. ولو وافقناهم على ما فعلوا لانسحب هذا غدا للتجرؤ على جميع المقدسات، ولصارت حياتنا فجة ليس فيها ما نحترمه ونقدره، ولأصبحت الإباحية بكل صورها الفكرية والمادية هى المتحكمة فى مجريات حياتنا، خصوصا وأن هذا المسلسل يتزامن مع فيلم أمريكى يعرض فيه لنبى الله موسى عليه السلام بأسلوب وضيع يتناسب مع قدر العارضين له وكأن شخص الأنبياء أصبح مشاعا لكل نابح أو طالب شهرة فارغة.

ومع شهادة الكثيرين للمسلسل على أنه عمل فنى راق على المستويين التشخيصى والإخراجى وكذلك دبلجة الصوت عايش من خلاله من تتبعه من المصريين على وجه الخصوص أجواء تاريخهم المشرق عندما كانت مصر سلة للغلال ومخلصة لمن حولها من أزماتهم خلافا لما فيه مصر فى هذه الأيام، إلا أن السيناريو الذى صيغت فيه هذه القصة قد أعد بطريقة لا تخلو من الحرفية الشديدة التى تجعله يوظف كرمز فنى أو معادل موضوعى(1) يخدم بل يروج للنظام السياسى الذى تنتهجه الدولة الإيرانية فى العصر الحديث منذ وصول الخمينى إلى الحكم، وهذا النظام يعرف ( بولاية الفقيه ) الذى وضع كمعادل أيضا للديمقراطية الأمريكية حيث الأخذ بمبدأ الجمهورية كإطار مفهومي للدولة الإسلامية المعاصرة، والدفاع عن الإرادة الشعبية كأساس للسلطة، وربط تطبيق الأحكام الشرعية بالمصالح العامة، والحقوق السياسية بالمواطنة (2) وهذا النظام يعطى الفقيه الجامع للشرائط كل صلا حيات الإمام الغائب بما فيها منصب الحكم السياسي إلى حين ظهور المهدي المنتظر.
وقد استغلت أحداث المسلسل كمعادل موضوعى لولاية الفقيه على ثلاثة محاور المحور الأول: وهو المحور الكلى الذى استغلت فيه القصة وأحداثها المتصاعدة التى عرضت بطريقة لا تخلو من التشويق والإثارة فى وصول يوسف الصديق إلى سدة الحكم، والقضاء على الكهنة الذين مصوا دماء الشعب وكانوا رمزا للرجعية والتخلف، وكيف أنه جاء حاملا آمال وأحلام الطبقات البرجوازية التى عانت من ظلم الطبقة الثرية التى أذلت الأكثرية مما جعل يوسف الصديق يتنبأ بسقوط هذه الطبقة وأن الموازين ستنقلب حتى يصير أعلى الناس أسفلهم وأسفل الناس أعلاهم على يد رجل يوكل إليه الناس أمورهم بل يبيعون أنفسهم له مختارين، حتى اعتبروا العبودية للدولة خلاصا لهم، حيث إن مجسد يوسف الذى عرضوه كمعادل للولى الفقيه يكون هو المخلص لهم ولأولادهم من عبوديتهم . وبهذا تم تطويع السيناريو الذى صيغت فيه هذه القصة بما يخدم الأسلوب الذى ينتهجه أحمدى نجاد فى محاولة ظهوره الدائم على أنه نصير الفقراء والمساكين ويقدم ذلك فى شكل بساطة فى زيه ومعيشته فنراه لا يهتم بالمظهر العام الذى تمليه عليه وظيفته كرئيس دولة كبيرة.
أما المحور الثانى، وهو محور يدل على لىّ المفاهيم أيضا وحمل الآيات القرآنية إلى ما لا تحمله أو تهدف إليه وذلك اتضح من عبارات نطق بها القائم بدور النبى يعقوب مع أسرته وكذلك مع القائم بدور يوسف الصديق عندما قال: إن يوسف هو ولى الله و له الولاية علىَّ أنا، وعند حواره مع يوسف قال: يا ولى الله ألم أقل إن لك الولاية على. وهنا تطل الأفكار الشيعية برأسها مقدمة منزلة الولى على منزلة النبى(3)، وهذا لا شك يخدم رؤيتهم عن الولى الفقيه وكذلك شعارهم اليومى ونداءهم فى الأذان ( أشهد أن عليا ولى الله ) بحكم رؤيتهم المعكوسة للحقيقة فى أن عليا كرم الله وجهه كان هو المستحق للنبوة فأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة، ثم غصب الخلفاء كأبى بكر وعمر حقه فى الإمامة. وهذا الأمر يضيق عنه المجال فى تفنيده وبيان الادعاء الذى يكتنفه.

وما يهمنا هنا هو بيان خطئهم الجسيم فى تفضيل الولى على النبى وهى قضية سبق أن تحدث فيها علماء التصوف الإسلامى وقدموا من الأدلة على فضل النبى على الولى يقول الهجويرى فى كتابه كشف المحجوب: " اعلم أن جملة مشايخ هذه الطريقة مجمعون على أن الأولياء فى جميع الأوقات والأحوال متابعون للأنبياء ومصدقون لدعوتهم. والأنبياء أفضل من الأولياء ؛ لأن نهاية الولاية بداية النبوة وجميع الأنبياء أولياء، ولكن لا يكون من الأولياء نبى، والأنبياء متمكنون فى نفى صفات البشرية... "(4) ثم يعقب على ذلك بتعقيب غاية فى الأهمية يكشف هذه الفرقة التى تدعى تقديم الولى على النبى كما حدث فى هذا المسلسل : "... ولا يختلف فى هذا أى أحد من علماء أهل السنة ومحققى هذه الطريقة غير فريق من الحشوية وهم مجسمة أهل خراسان المتكلمون بكلام متناقض فى أصول التوحيد... ويسمون أنفسهم أولياء حقا ولكنهم أولياء الشيطان، ويقولون إن الأولياء أفضل من الأنبياء، ويكفيهم هذه الضلالة أنهم يجعلون جاهلا أفضل من محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم..." (5) وهناك من يستند فى تفضيل الولى على النبى قياسا بقصة الخضر مع موسى عليه السلام التى ذكرها الله سبحانه فى سورة الكهف، حيث رزق الله الخضر علما لدنيا وجعل موسى يصحبه ويتعلم منه، يقول تعالى:فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً الكهف65، وقد عرض العارف بالله ابوالعباس المرسى لهذا الرأى فى قوله: " كنت مع الشيخ ( يقصد أبا الحسن الشاذلى ) فى بحر عيذاب وكنا فى شدة من الريح الأذيب ( الشديد ) وكان المركب قد انفتح، فقال الشيخ: رأيت السماء قد فتحت ونزل منها ملكان، أحدهما يقول موسى أعلم من الخضر، والآخر يقول الخضر أعلم من موسى، ونزل ملك آخر وهو يقول: والله ما علم الخضر فى علم موسى إلا كعلم الهدهد فى علم سليمان حين قال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ النمل22 ففهمت أنا سلمنا فى سفرنا، فإن موسى سخر له البحر "(6).

يتضح من هذا أن علم الولى مهما بلغ نقطة فى بحر النبى ولا يفضل عليه أبدا يقول أبو اليزيد البسطامى: " فكما أن مراتب الأولياء خافية عن إدراك الخلق كذلك مراتب الأنبياء خافية عن تصرف الأولياء "(7).

أما المحور الثالث الذى وظفت فيه أحداث المسلسل من أجل الدعوة إلى ولاية الفقيه ألا وهو بث بعض العبارات التى تروج للإمام الغائب أو المهدى المنتظر الذى يحل الولى الفقيه خليفة له، وهذا اتضح من عبارات قالها القائم بدور يوسف الصديق فى سؤاله لشخص ربما يجسد شخصية أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذى بشره بالمخلص الموعود، قال: ومتى يأتى المخلص الموعود؟ قال: بعد النبى الخاتم. وما المخلص الذى ينتظرونه بعد النبى الخاتم سوى الإمام الغائب أو المهدى المنتظر. وهذا الأمر ليس مجرد فكرة ولكنه اعتقاد وصل إلى حد الهوس حتى وصل بهم الأمر إلى درجة إعلان الرئيس الإيراني «أحمدي نجاد» أثناء خطابة في مؤتمر دربن في جنيف أنه علي اتصال مباشر بالمهدي المنتظر وأن كل شئون الدولة الإيرانية يُسيّرها المهدي وما نجاد إلا منفذ لأوامره المقدسة بل صرح بأنه قد رأي نور المهدي كذلك ويؤكد العديد من قيادات الحرس الثوري الإيراني أنهم ملهمون من قبل المهدي ويتبعون أوامره مباشرة.

وأهل السنة والجماعة لا ينكرون حقيقة المهدي بل يؤكدونها لورودها فى أحاديث صحيحة متواترة ذكر بعضها الألباني فى السلسلة الصحيحة وقدمها بقولة: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بمجيء المهدي وأنه من أهل بيته... وأنه يخرج مع عيسى عليه السلام فيساعده على قتل الدجال... وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه فيملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا. ومن هذه الأحاديث قال صلى الله عليه وسلم: [ يخرج في آخر أمتي المهدي ؛ يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة يعيش سبعا أو ثمانيا. يعني: حجة ]. ( صحيح )

ولكن هناك فروقا واضحة بين رؤية كل من السنة والشيعة للمهدي ومنها:
- إن المهدي عند أهل السنة اسمه (محمد بن عبد الله) فاسمه يوافق اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسم أبيه يوافق اسم أبيه، أما مهدي الشيعة فاسمه محمد بن الحسن العسكري، وهو الإمام الثانى عشر عندهم، وهم يطلقون عليه الحجة كما يطلقون عليه القائم، ويزعمون أنه ولد سنة ( 255 ) واختفى فى سرداب " سر من رأى، وهم ينتظرون خروجه فى آخر الزمان لينتقم لهم من أعدائهم، ولا يزال الشيعة يزورونه بسرداب مدينة سر من رأى ويدعونه للخروج.
- إن المهدي عند أهل السنة من ولد الحسن, ومهدي الشيعة من ولد الحسين.
- إن المهدي عند أهل السنة تكون ولادته ومدة حياته طبيعية، ولم يوجد في الأحاديث بحسب اجتهاد أهل السنة والجماعة ما يدل على انه يمتاز عن غيره من الناس بشيء من ذلك، أما مهدي الشيعة فانه قد وُلد منذ مئات السنين ونسله متصل اتصالاً مباشراً مع الآل الطاهرين (Cool.


وقد أخذت قضية المهدى مساحة عظيمة من فكر الشيعة واعتقادهم والترويج إليها مما تبع ذلك كثير من الويلات على الأمة الإسلامية مما جعل أعداء الأمة يستغلون عقيدة المهدى عندهم فى تضليل الأمة ودعوتها إلى الاتكالية والتراخى عن العمل وتغييب عقل الأمة فى مجاهل غيبية لصرفها عن واقعها المؤلم، ولذلك يرى الدكتور محمد داود أننا لايجب أن ننتظر العصا السحرية التى يأتى بها المهدى التى يغير بها واقعنا المؤلم وتخرجنا من كبوتنا " وإن يكن من مهدى تنتظره الأمة الآن فهو: أن تتخلى الأمة عن أسباب التأخر والتخلف والانتكاس، هو أن تتخلى الأمة عن التشتت والتمزق، هو إحياء قيم القرآن والسنة فى الأخلاق والمعاملات بدلا من التغريب الضارب فى جوانب حياتنا، هو أن يتحول كلامنا إلى أفعال "(9).

ولعلى بهذ أكون قد جلوت بعضا من عتمة الصورة، و ألقيت الضوء على بعض من المفاهيم المعكوسة التى يحملها هذا المسلسل وغيره من الأعمال الفنية التى تصدر إلينا من إيران حاملة الكثير من الأفكار والمعتقدات المريبة التى لا تتفق من قريب أو بعيد مع رؤية أهل السنة والجماعة.

الهيئة الدولية للدفاع
Admin

المساهمات : 29
تاريخ التسجيل : 06/02/2016
العمر : 36
الموقع : الهيئة الدولية للدفاع

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://organizationfordef.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى